الجاحظ

183

المحاسن والأضداد

عزمت على قلبي بأن أكتم الهوى * فضجّ ونادى إنّني غير عاقل فإن حان موتي لم أدعك بغصّتي * وأقررت قبل الموت أنك قاتلي جارية البارقي : ذكروا أنها أنشدت في مجلس عمرو بن مسعدة : يا أحسن العالم حتّى متى * يرتفع الحبّ وانحطّ وكيف منجاي وبحر الهوى * مذ حفّ بي ليس له شطّ فأجيبت : يدركك الوصل فتنجو به * أو يقع البحر فتنحطّ قال علي بن الجهم : كنت في مجلس محمد بن عمرو بن مسعدة ، فأقبلت جارية كأنها البدر ليلة التمام ، بلون كأنه الدر في البياض ، مع احمرار خدين كشقائق النعمان فسلمت ، فقال لي محمد : « يا أبا الحسن ! هذه الجنة التي كنتم توعدون » ، فقالت : وما الوعد يا سؤلي وغاية منيتي * فإنّ فؤادي من مقالك طائر فقال لها محمد : أما وإله العرش ما قلت سيّئا * وما كان إلّا أنّني لك شاكر فقال ابن الجهم : أمسك فديتك عن عتاب محمّد * فهو المصون لودّه ، المتحاذر فأقبلت تحدثنا ، فإذا عقل كامل ، وجمال فاضل ، وحسن قاتل ، وردف مائل فقلت : « لقد أقر اللّه عينا تراك » ، فقالت : « أقر اللّه أعينكم ، وزادكم سرورا وغبطة » . ثم اندفعت تغني بنغمة لم أسمع أحسن منها : أروح بهمّ من هواك مبرّح * أناجي به قلبا كثير التّفكّر عليك سلام لا زيارة بيننا * ولا وصل إلّا أن يشاء ابن معمر